أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

23

التوحيد

ثم قد قيل : الإخبار في العيان اللذيذة والجواهر الشهيّة في الانتفاع ، مما لولا الإخبار عمّا فيه من اللذة ما احتمل عاقل المخاطرة بنفسه من الامتحان ، وكذلك اتقاء المضار من غير أن سبق منهم الامتحان ، فما نالوا إلا بالإخبار ، وعلى ذلك المكاسب والحيل والحذر ونحو ذلك مما يرجع منافع ذلك إلى أبدانهم ودنياهم ، وكذلك المضار . فثبت أن الذي بعث هذا إلى التكذيب ما في القول به من إثبات الحرمات ، وكفّ النفس عن الشهوات ، فيصير السبب الذي به خدع الشيطان هذا الصّنف هو السبب الذي خدع الصنف الأول ، مع ما يوجد ذلك في العيان من الوجه الذي بيّنا ، ولم يمنع هؤلاء القول به ، فمثله في الأول ؛ لأنه يظهر الكذب في الإخبار بما اعترض المخبر من الآفات التي تحملهم عليه . وبعد ، فقد ظهر صدق كثير من الأخبار ، فلم يكن أحد الوجهين به أولى من الآخر إلا بدليل يوضح ، واللّه الموفق . وقد يعامل بالمعاملة الوحشة ، وضرب مما يؤذيه ويؤلمه حتى يضطر إلى القول بما لا يحتمل معرفته إلا بالخبر ، ولا قوة إلّا باللّه . وعلى مثله قول المقرّين بعلم العيان والخبر المنكرين لعلم الاستدلال ، على عقله لوجوه المنافع في الدنيا ولعواقب مأمولة ، ليس عنده علم من جهة العيان والخبر ، وإنما ذلك بالاستدلال ، وما في ذلك من ظنون الإصابة ، وكذا معرفة صدق الإخبار وكذبه ، مع ما يقال له في كل شيء يعلم مما ليس فيه علم الحس : بم علمت ذلك ؟ فإن قال : بالخبر ، يسأل عن معرفة صدقه وكذبه ، وتدخل ذلك في جميع الملاذّ والمضارّ مما يتّقى ويؤتى ، مع ما كانت الضرورة تلزم النظر بما عاين وسمع ، ليعلم منشأ العالم أو حدثه وقدمه . وبعد ، فإنه ليس في شيء يمنع الاستدلال له خبر في المنع ، أو عيان ، فكأنه بالاستدلال يمنع القول به ، ولا قوة إلّا باللّه . وبعد ، فإن معرفة إنسان أو نار أو شيء بالذي شوهد مرّة لا يخرج إلا على الاستدلال بالذي عرف ، ولو لم يدلّه للزمه أن لا يعامل أحدا قط ، ثم لا يقبل تعليم أحد ؛ لأنه لا دليل عنده يعلم أنه من ويجوز أن يوجد بخبره أو لا ، ثبت أن كل ذلك استدلال ، وهو لازم ، ولا قوة إلّا باللّه .